
هنا ستجدون بعض المواقف والمشاهدات والإنطباعات التي خرجت بها من رحلتي للحج .. مع شكري وامتناني لكل من مروا هنا ورافقتني دعواتهم ..
- من أروع المناظر التي مرت علي منظر ركاب الطائره ، الجميع بلا استثناء كانوا يتوشحون السواد أو البياض ، لأول مرة أركب طائرة جميع ركابها بلباس الإحرام ، كان موقفا غريبا” وشعورا” رائعا” ، الجميع لهم نفس المقصد ونفس الهدف..
- في آخر ساعة من نهار عرفة ، تهافتت القلوب والألسنة بالدعاء ..، كلٌ يجلس لوحده في مكان منعزل ، يرفع يديه ويبكي ، يبكي ذنوبه وخيباته ، يبكي آماله وحاجته ، يبكي روحانية الموقف وروحانية اللحظات ، يسابق الشمس التي تودع السماء ليناجي ربه بكل مالديه ، حتى غابت الشمس وبدأت أصوات السائقين تتعالى:( مزدلفة .. مزدلفة .. مزدلفة ياحاج مزدلفة ) فيتراكض الحجاج ليزدحموا في السيارات وفوقها ثم يصمت السائق ويتحرك نحو مزدلفة .. و أعين الحجاج تودع المكان بنظراتٍ باكية ..
- الجلوس في الحافلات هو أكثر الأمور التي تتطلب صبراً لأنها قد تمتد لـخمس أو ست ساعات ، لكنها رغم ذلك فرصة جيدة للقراءة لكونها يغلب عليها الهدوء نسبياً مقارنة بضجيج المخيم ، لكن إن ابتُليت بشخصٍ خلفك أو أمامك يثرثر بصوتٍ عالي عن قصة حياته لمن بجواره ولاينتهي منها أبداً فأنصحك أن تفتح طاولة الطعام وتضع رأسك عليها وتقرأ دعاء النوم لعل النوم يرحمك فيزورك
- بسبب الزحام الشديد في السير وقت خروجنا من عرفه ، لم نتمكن من المبيت بمزدلفه ولا حتى النزول فيها ، وفي الصباح تم توزيع الجمار علينا جاهزة ومكيسة مما أفقدنا متعة جمعها بأيدينا
- يوم العيد توقف صوتي وأصبحت أستخدم لغة الإشارة في الكلام ولم تفدني أقراص الحلق ولا المشروبات الساخنه ، ذهبت للطبيبة واعطتني علاجا” وهي تقول : ( هوا انتي كنتي بتغني بعرفه ولا إيه .. ماتلبيش بصوت عالي ) ولم تعلم المسكينة أني قضيت ثلاثة أشواط من السعي وأنا شبه صامته وغارقة في الأفكار والهواجس ..
- وأنا أمشي بالمخيم قبل الفجر، استوقفتني امرأة مسنه قالت أنها ستنام وأعطتني رقم غرفتها ورقم سريرها وطلبت مني إيقاظها بعد ساعتين إن كنت سأبقى مستيقظة ،وعدتها بذلك ثم شاهدتها متجهه لدورات المياه قبل موعد ايقاظها بنصف ساعه لاحظت استغرابي فابتسمت بخجل وهي تقول : ( تراي موصيتن اكثر من وحده تقومني احتياط أخاف وحدتن تنسى وعاد قمت من نفسي بالأخير ) ماشاء الله من شدة الحرص على الصلاة خشيت أن ننسى ، ابتسمت وأنا أتخيل شكل كل اللذين أوصتهم وهم يلتقون عند سريرها في الوقت المحدد ولايجدونها وعلامات الإستفهام تدور بينهم
.
- عند حوض الجمرات وبينما أنا أرمي قريبا” من الحوض أتت مسنة تركية بيدها قارورة مليئة بالحصى فتحتها وافرغت الحصى في الحوض مرة واحدة ! أردت أن ألحقها وأخبرها بالطريقة الصحيحة لكنها أختفت في الزحام ..
- زارنا في الحملة الشيخ عبدالعزيز الفوزان وأبدى استعداده لتلقي الإسئله فانهالت عليه أسئلة الأسهم والشركات والتطهير والإكتتابات فقال الشيخ : ( حتى في منى لاحقتنا الأسهم اعفونا منها جزاكم الله خير )
- بينما نحن نسير في منى وتمر علينا الحافلات بأسماء دول كثيره ، مرت حافلة كتب عليها ( حجاج أمريكا) ثم تلتها أخرى كتب عليها ( دولة قطر) وتتالت الأسماء بصورة جعلتني أتأمل كيف جمع الحج هذه الأكوام من البشر من كل مكان في هذا العالم ولنفس الهدف .
- زارنا رجل هولندي أسلم من مدة قصيره وحج هذا العام للمرة الأولى .. حين سأله المقدم عن شعوره الآن أجاب : it is the best days in may life كان حديثه رائعا” وهو يصف شعوره قبل دخوله الإسلام ، علمنا نحن المسلمون بالفطرة أموراً كنا نستصغرها .. عرفت حينها معنى أن يكون الشخص قد ( حسُنَ إسلامه ) .. لابطول الفترة بل بعمق الإيمان ..
- شهادة حق أقولها ، رجال الأمن كانوا متعاونين بشكل كبير مع الجميع ، يحاولون قدر الإمكان تنظيم سير المشاة وإرشاد التائهين بأسلوب محترم رغم الإرهاق الواضح عليهم ورغم عدم إحترام الكثير من الحجاج هداهم الله لهم ورفع أصواتهم بالتذمر وصب الغضب على هؤلاء المساكين وكأن السلطة بيدهم !
- مشروع الجمرات رائع بحق ، وناجح بنظري ، رغم أنه لم يكتمل لكنه فك أزمة الإزدحام والتدافع التي كنا نسمع عنها فوجود ثلاثة أدوار بمسارات واسعة جداً سهل الأمر كثيراً ، فحتى في بداية النهار وهو وقت الذروة ، بإمكان الجميع الرمي بسهولة وقرب الحوض خصوصاً في الدور الثالث ، متأكدة أن المشروع بعد اكتماله سيكون رائعاً وعملياً .
- وكعادته دائما” مطار جدة يتحول إلى تكدس بشري هائل ومشاجرات وغضب وانتظارات طويله ، هناك في صالة المغادره حيث أعلن عن تأخر 6 رحلات للرياض في يوم واحد ، كان المنظر بئيسا” يوحي بالتشرد ! .. حسنا” يمكننا تعريف مطار جدة بالآتي : أن تتواجد في المطار الساعة التاسعة صباحا” ثم تركب الطائرة الساعة الرابعة والنصف عصرا” ! لذلك لاألوم الناس حين صفقوا لحظة الإعلان عن الرحلة أخيرا” ، ويبقى السؤال ( متى سيخجل مطار جدة من نفسه ؟! )
- اكتشفت أن تطعيمة الإنفلونزا خائنةٌ لاتسمن ولاتغني من جوع ، بدليل أني عُدت بأنفٍ أحمر وصوتٍ آخر
.
- من أعظم الدروس التي تعلمتها في الحج ، تفاهة الماديات والطبقيات ، فأنت هنا مثل البقية سواسية عند الله في هذه الأمور ، ستمشي مثل غيرك لمسافات طويلة وستمر قدمك عند الأوساخ والنفايات مرغماً ، ستنتظر في الحافلة مع الآخرين ، ستنام في غرفة مع أناس لاتعرفهم ، ستلبس مثل الآخرين ، ستضيع في زحام الطواف بين الملايين ، ستتحمل الإزعاج والإرهاق وقلة النوم تماماً مثل الآخرين ، لأنك هنا لم تأت لترفه نفسك أو لتعيش بنفس مستوى معيشتك في بلدك .. أنت هنا لتكمل دينك وعليك أن تتحمل كل شيء في سبيل ذلك ..
- أروع دعاء تعلمته هناك .. ربي أشغلني بما خلقتني له ولاتشغلني بما خلقته لي.
- الحج غير فيني ، ولا يمكنني أن أحدد التغيير ، لكني متأكدة أنه تغير جعلني أعيد تفكيري في نفسي وفي كثير من الأمور حولي وأوازنها مرة أخرى ..
رزقكم ربي روعة هذه اللحظات ..
- الصورة بعدسة أختي ريما .