أرشيف يناير, 2009
سيكبرون ..
يناير 20, 2009شخصٌ عادي ، مدينةٌ غير عادية !
يناير 6, 2009
امتلأت رئته برائحة الدم حتى خيل إليه أنه يتنفسه بدلاً من الأكسجين ، حاول أن يسلك الشوارع الضيقة الصغيرة لعلها تكون أقل توجعاً وأقل غرقاً بالدماء ، صادفه أيمن هناك يدور على الجثث ، يخلع الأحذية منها ويرمي بها في كيسٍ مهترىء خلف ظهره ، يقبل رأس الشهيد ثم ينصرف لمن بجواره ..
- لاتتعب نفسك ياأحمق .. لن يشتري أحدٌ حذاء بينما لايجد مايأكله .
- ومن قال لك بأني سأبيعها .
- لماذا تجمعها إذن .. ( يضحك بسخرية وهو يكمل ) : ذكرى الشهداء ؟
يواصل أيمن التنقل بين الجثث بصعوبة والكيس قد أثقل ظهره لامتلاءه
- ألم تسمع بـ خفي منتظر !
- هل تقصد .. هل تنوي .. !!
- نعم ولم لا .. قذفت رؤسهم بالحجارة قبل ذلك فلم لاأجرب الحذاء هذه المرة .. الحذاء موضة هذا العام ياصديقي .. سأقذف كل هذه الأحذية بوجوههم نيابة عن أصحابها ..
ابتسم له وانصرف ، لايعرف لم انصرف سريعاً ربما شعور الهزيمة بداخله بدأ يتبدد أمام إصرار أيمن وإيمانه .. أكمل خطواته التي قادته لحيهم القديم ، خمس سنوات منذ آخر مرة زار هذا الحي ، خمس سنواتٍ تفصله عن أيام الطيش واللهو حين كان يلاحق أمل ويستفزها منذ خروجها من المنزل وحتى تصل لمدرستها ، وفي الظهيرة يفعل الشيء ذاته ، ياألله لازال يذكر ذلك اليوم الذي هوى فيه كتاب أمل على رأسه مع سيل من السباب والشتام الطويل الذي لاينتهي ، كان يستمتع بصراخها في وجهه ، بغضبها منه ، بتهكمها على كسله .. ليتكِ ترينني ياأمل ، خمس سنوات زرعت فيني روح رجلٍ جاوز الخمسين ..
عبر الممر الضيق بتوتر وخوف ، هناك خلف المنعطف بيتهم القديم ، وبيت أمل ، وذاكرته الملونة .. هل يذهب ..؟ ماذا لو وجد البيت ركام عند قدميه ؟ .. ماذا لو وجد أمل تبكي عائلتها .. ماذا لو لم تعرفه أمل ؟ ماذا لو وجد الألوان رمادية .. ماذا لو .. ولم يمهله دوي القصف ليفكر أكثر ، ركض بإتجاه المنعطف هارباً من الشظايا التي خلفه ، مرت ثوانٍ خيل إليه أنها ساعات وهو يحاول التقاط أنفاسه واستيعاب المنظر أمامه ، تماماً كما توقع ، البيت ركامٌ عند قدميه ، وبيت أمل أيضاً .. !
- أبو غسان ، أبو غسان ..
- محمد !! … أهلاً بك ياولدي .. أهلاً بك .. واحتضنه بشدة وهو يبكي ..
- كيف حالك ياعم ..
- لاتتخيل فرحتي برؤيتك يامحمد .. ظننت أني لن أراك مرة أخرى .. الموت هنا يحتضننا واحداً تلو الآخر ! .. تعبت من التوديع يامحمد .. تعبت حمل الجنائز وفوق كلٍ منها قطعة من قلبي .. تعبت الصبر ومللته وملني .. بالأمس .. حملت أمل على كتفي .. أودعتها الثرى وأودعت قلبي معها !
- …!
- محمد ..
- …!
- محمد ..
- أين أهلها ؟
- اتجهوا نحو المعبر ، إصابة أبيها تحتاج عناية طبية ، قد ينقل إلى مصر و ..
صوتٌ لاهث يقطع الحوار
- تعالوا ساعدونا .. في الشارع الآخر عائلة مصابة ولاتستطيع سيارة الإسعاف الدخول لهذا الحد ..
يركض معهم ليحمل الجرحى وقلبه يركض بشدة ، يحمل ويضع ، يصرخ بهذا ليساعده ويهمس بهذا أن تصبر قليلاً ..صوت سيارة الإسعاف وصراخ المرأة بجواره وأنات الطفل الذي بين يديه .. كل هذا الضجيج لم يكن يسمعه جيداً .. فقط كان يسمع .. ” بالأمس .. حملت أمل على كتفي وأودعتها الثرى .. ” كانت ترن في أذنه لدرجةٍ جعلته لايبكي لايستوعب ! .. الموت كان أسرع من كل قراراته .. أسرع من كل كلماته التي كان سيقولها ..
ابتعدت سيارة الإسعاف ، يمر بجواره مراسل تلفزيوني يتحدث بحماس أمام الكاميرا .. ابتعد وهو يتمتم في داخله ” هه ، هل أصبحت جزءاً من خبرٍ عاجلٍ الآن ! ” ..
عاد من حيث أتى لكن بطريق آخر ، والأمر سيان ، رائحة الموت ذاتها تزكم أنفه ، الدماء ذاتها ترسم لون الرصيف والجدار ، ظلال الراحلين ذاتها تقف دونهم !
سيجتاحون المكان بقدميهم غداً ، سيخترق الرصاص الخط الفاصل بين الحياة والموت في أجسادهم ، سيخيم الظلام ، سيقطع الماء والغذاء ..
وكأن غزة ستطفيء مصباحها وتغرق في الظلام لتجعله يستلقي ويبكي بصمتٍ على الراحلين .. لتحجب عنه بظلامها لون دمائهم على الطرقات ..
ستمارس مدينة الموت الألم من جديد .. ببكائه الصامت في عمق الظلام .. سيخبر العالم كم هم ” إنسانيون جداً ” !!
نورة
6\1\2009
