
امتلأت رئته برائحة الدم حتى خيل إليه أنه يتنفسه بدلاً من الأكسجين ، حاول أن يسلك الشوارع الضيقة الصغيرة لعلها تكون أقل توجعاً وأقل غرقاً بالدماء ، صادفه أيمن هناك يدور على الجثث ، يخلع الأحذية منها ويرمي بها في كيسٍ مهترىء خلف ظهره ، يقبل رأس الشهيد ثم ينصرف لمن بجواره ..
- لاتتعب نفسك ياأحمق .. لن يشتري أحدٌ حذاء بينما لايجد مايأكله .
- ومن قال لك بأني سأبيعها .
- لماذا تجمعها إذن .. ( يضحك بسخرية وهو يكمل ) : ذكرى الشهداء ؟
يواصل أيمن التنقل بين الجثث بصعوبة والكيس قد أثقل ظهره لامتلاءه
- ألم تسمع بـ خفي منتظر !
- هل تقصد .. هل تنوي .. !!
- نعم ولم لا .. قذفت رؤسهم بالحجارة قبل ذلك فلم لاأجرب الحذاء هذه المرة .. الحذاء موضة هذا العام ياصديقي .. سأقذف كل هذه الأحذية بوجوههم نيابة عن أصحابها ..
ابتسم له وانصرف ، لايعرف لم انصرف سريعاً ربما شعور الهزيمة بداخله بدأ يتبدد أمام إصرار أيمن وإيمانه .. أكمل خطواته التي قادته لحيهم القديم ، خمس سنوات منذ آخر مرة زار هذا الحي ، خمس سنواتٍ تفصله عن أيام الطيش واللهو حين كان يلاحق أمل ويستفزها منذ خروجها من المنزل وحتى تصل لمدرستها ، وفي الظهيرة يفعل الشيء ذاته ، ياألله لازال يذكر ذلك اليوم الذي هوى فيه كتاب أمل على رأسه مع سيل من السباب والشتام الطويل الذي لاينتهي ، كان يستمتع بصراخها في وجهه ، بغضبها منه ، بتهكمها على كسله .. ليتكِ ترينني ياأمل ، خمس سنوات زرعت فيني روح رجلٍ جاوز الخمسين ..
عبر الممر الضيق بتوتر وخوف ، هناك خلف المنعطف بيتهم القديم ، وبيت أمل ، وذاكرته الملونة .. هل يذهب ..؟ ماذا لو وجد البيت ركام عند قدميه ؟ .. ماذا لو وجد أمل تبكي عائلتها .. ماذا لو لم تعرفه أمل ؟ ماذا لو وجد الألوان رمادية .. ماذا لو .. ولم يمهله دوي القصف ليفكر أكثر ، ركض بإتجاه المنعطف هارباً من الشظايا التي خلفه ، مرت ثوانٍ خيل إليه أنها ساعات وهو يحاول التقاط أنفاسه واستيعاب المنظر أمامه ، تماماً كما توقع ، البيت ركامٌ عند قدميه ، وبيت أمل أيضاً .. !
- أبو غسان ، أبو غسان ..
- محمد !! … أهلاً بك ياولدي .. أهلاً بك .. واحتضنه بشدة وهو يبكي ..
- كيف حالك ياعم ..
- لاتتخيل فرحتي برؤيتك يامحمد .. ظننت أني لن أراك مرة أخرى .. الموت هنا يحتضننا واحداً تلو الآخر ! .. تعبت من التوديع يامحمد .. تعبت حمل الجنائز وفوق كلٍ منها قطعة من قلبي .. تعبت الصبر ومللته وملني .. بالأمس .. حملت أمل على كتفي .. أودعتها الثرى وأودعت قلبي معها !
- …!
- محمد ..
- …!
- محمد ..
- أين أهلها ؟
- اتجهوا نحو المعبر ، إصابة أبيها تحتاج عناية طبية ، قد ينقل إلى مصر و ..
صوتٌ لاهث يقطع الحوار
- تعالوا ساعدونا .. في الشارع الآخر عائلة مصابة ولاتستطيع سيارة الإسعاف الدخول لهذا الحد ..
يركض معهم ليحمل الجرحى وقلبه يركض بشدة ، يحمل ويضع ، يصرخ بهذا ليساعده ويهمس بهذا أن تصبر قليلاً ..صوت سيارة الإسعاف وصراخ المرأة بجواره وأنات الطفل الذي بين يديه .. كل هذا الضجيج لم يكن يسمعه جيداً .. فقط كان يسمع .. ” بالأمس .. حملت أمل على كتفي وأودعتها الثرى .. ” كانت ترن في أذنه لدرجةٍ جعلته لايبكي لايستوعب ! .. الموت كان أسرع من كل قراراته .. أسرع من كل كلماته التي كان سيقولها ..
ابتعدت سيارة الإسعاف ، يمر بجواره مراسل تلفزيوني يتحدث بحماس أمام الكاميرا .. ابتعد وهو يتمتم في داخله ” هه ، هل أصبحت جزءاً من خبرٍ عاجلٍ الآن ! ” ..
عاد من حيث أتى لكن بطريق آخر ، والأمر سيان ، رائحة الموت ذاتها تزكم أنفه ، الدماء ذاتها ترسم لون الرصيف والجدار ، ظلال الراحلين ذاتها تقف دونهم !
سيجتاحون المكان بقدميهم غداً ، سيخترق الرصاص الخط الفاصل بين الحياة والموت في أجسادهم ، سيخيم الظلام ، سيقطع الماء والغذاء ..
وكأن غزة ستطفيء مصباحها وتغرق في الظلام لتجعله يستلقي ويبكي بصمتٍ على الراحلين .. لتحجب عنه بظلامها لون دمائهم على الطرقات ..
ستمارس مدينة الموت الألم من جديد .. ببكائه الصامت في عمق الظلام .. سيخبر العالم كم هم ” إنسانيون جداً ” !!
نورة
6\1\2009
يناير 6, 2009 عند 10:22 م
هنا حرف رزين
ودلالات هامة لمن يحسن قراءة هذا الطرح
:
:
لابد من الاحتفاء بالنص اعلاه
”
”
كبيرة يانورة
يناير 7, 2009 عند 3:03 ص
رأيك أعتز به ويشرفني ..
ممتنة كثيراً لكل ماقلته ..
:
:
أشكرك بـصدق .. أشكر وجودك ..
يناير 7, 2009 عند 12:11 م
غزة ….يا عزة بصمود أبنائها
.
.
سلمت يداك يا نورة ….مبدعه دوماً كما عهدك
يناير 7, 2009 عند 2:27 م
ماشاء الله يانور
جميل ماكتبتيه بالأعلى
على قدر الألم الذي به
حفظك الله
يناير 7, 2009 عند 4:19 م
مؤلمة حد النزف…
لكنها رائعة ..لامست شغاف القلب وتهكمت على برودنا..وصنعت ندبة تذكرنا بلا شك..بغزة..
كأني أراهم جميعاً أيمن..محمد …أمل..نعم أراهم اسمع صرخات قلوبهم تستجدي شيمنا..كأني بأرواح الشهداء تقول لنا:”ما أقبح الصمت عندما يفني الحقيقة”.. قبل أن تصعد إلى السماء..شعرت بذلك يقيناً…
لكن بلا شك لم اتذوق طعم الألم الذي عاث بأجسادهم وقلوبهم الثكلى وأرواحهم المحتضرة..
هل يجدي إن اعتذرت لكل فرد منهم استُبيحت روحه ونحن ننظر؟؟؟؟!!
نورة ..شكراً بمقدار لا ينتهي..
يناير 7, 2009 عند 6:18 م
ستمارس مدينة الموت الألم من جديد .. ببكائه الصامت في عمق الظلام .. سيخبر العالم كم هم ” إنسانيون جداً ” !!
يناير 8, 2009 عند 2:29 ص
نورة .. منذ اول يوم قابلتك فيه و أنت مبدعة .. وفي كل يوم ابداعك يزيد ويتميز
كلمات رائعة .. تعبير لا يوصف .. كلمات لامست قلبي واوصلت ما يدور حقاً في غزة
سبحان الله لا أدري كيف وصلت إلى مدونتك .. مفاجئتي بأسمك حمستني للإطلاع عليها لأني أعلم ان ما يخرج من تلك اليدين مميز وفريد من نوعه
بارك لك ربي وزادك من فضله ..
من اليوم ان شا الله انا من أول المتابعين لهذه المدونة الرائعة
ووضعتها في مدونتي من أول لحظة
حفظك ربي ..
نوار ..
يناير 8, 2009 عند 2:33 ص
هذا رابط مدونتي http://throughlife.wordpress.com/
لا تحرميني ارائك يا غالية
يناير 8, 2009 عند 8:23 ص
من الجميل ما كتبت وعبرتي .. نحن في زمن بحاجة لقلم كل منا يحسن في الكتابة .. بحاجة لريشة كل فنان يحسن الرسم .. بحاجة لوقفة صادقة لكل منا ولو كان بالدعاء والله المتكفل بهم!
يناير 8, 2009 عند 12:37 م
نصوص رائعه احببتها …دمتي بخيرhttp://eeratt.blogspot.com/
يناير 8, 2009 عند 1:14 م
-
هي المدينة التي مازالت تحملُ الوفاء لـ أصحابها
سوى ‘ خداع ‘ الأوغاد الذين يغتصبونها
فكرة بليغة وَ عميقة جداً
أصفق لكِ بحرارة يا نورة ( f )
يناير 8, 2009 عند 5:37 م
كل أنسان ، وجيل ، وعصر ، بعد أن خلقهم الجبار كتب لهم أبتلاء ليختبر الصادق المؤمن من الضعيف المتذمر
<< وأبطال فلسطين أبتلاهم الله بالجهاد ومطاردة الصهاينه .. ( لعنوا إينما ثقفوا ) الأيه
لا أرى أنهم ضعفاء أو مساكين ، بل على العكس هم الأقوياء لذلك جعلهم الله هم الواجهه والشوكه في حلوق الصهاينه قتلة الأنبياء
ولكن ! نحن ماهو ابتلائنا في هذه الدنيا ؟ فتن ، أمراض ، مخدارات أم غفله عن الصلاة والدين ، وترك الدعوه لله ونشر الأسلام الصحيح << هذا هو البلاء العظيم الذي لانظمن أن نتوب قبل أن نوضع في قبرنا
قلوبنا معهم والدعاء لاينقطع لأولئك الأبطال المجاهدين
يناير 8, 2009 عند 6:22 م
غزة ||
حُلم جميل تبدد سريعاً على واقع سريع الثورة
غزة ،، أرواح تتزاحم في الصعود للسماء
غزة ,, تعزف ترنيمة الصمود
غــزة || صـــــــامدون
يناير 8, 2009 عند 8:10 م
مشاعل
وجودكِ يسعدني ياغالية .. لاعدمتك ..
ــــ
توتا
وجميل هو وجودكِ توتا .. ممتنة لطيبك ..
ــــ
عبير
..كأني بأرواح الشهداء تقول لنا:”ما أقبح الصمت عندما يفني الحقيقة”.. قبل أن تصعد إلى السماء..شعرت بذلك يقيناً…
صدقت ياعبير .. صدقت ..
وجودكِ يبهرني كثيراً ياعبير .. يكسر أحرفي المتواضعة أمام أحرفك ..
لردك مذاق خاص فلا تبتعدي أبداً …
لكِ أمتنان بمقدار طيبك الذي لاينتهي ..
يناير 8, 2009 عند 8:18 م
Mr -Waleed
أهلا بك .. شاكرة لمرورك ..
ــــ
throughlife
معقول !!!
نوار !!
هل انتي حقاً نوار التي أعرفها .. !! يااااااه .. ثلاثة أعوام مضت منذ آخر مرة رأيتكِ فيها يانقية
ثلاثة أعوام مضت منذ ودعنا ذلك المريول الرمادي معاً ..
أي صدفةٍ جميلة تلك التي قادتكِ إلى هنا ..
شكراً ياألله على الرفقاء الطيبين الذين يهطلون فجأة كالمطر ..
أتعلمين ..
أسمك لازال يحتل مساحة في جدار غرفتي ، على تلك الورقة ( الطوييييييييييلة ) التي ازدحمت بأسمائكم وحروفكم لتتحول إلى لوحة في غرفتي تخبرني أنكم حولي دائماً وإن لم أراكم ..
نوار .. سعيدة بوجودك فوق تصورك ..
f
يناير 8, 2009 عند 8:26 م
افلاطونية
صدقتِ ياغالية .. نحن بحاجة لأن نمسح العار المرسوم في جبين كل واحدٍ منا ..
ــــــ
سجينة الذكريات
أهلاٍ بمروركِ عزيزتي .. شاكرة لكِ ..
ــــــ
ظمأ القلب
ممتنة لوجودك الدائم .. ممتنة لروعتك .. لاعدمتك ..
ـــــــ
هند الشمسان
أهلاً عمتي أهلاً بالغالية ..
صدقتِ وربي .. لاعدمتك ولا عدمت حروفكِ ..
ــــــ
M7MAD
غزة ،، أرواح تتزاحم في الصعود للسماء
:
وأرواح في الأرض ملت البكاء ! ..
شكراً لمرورك ..
يناير 8, 2009 عند 9:04 م
لولا الحزن النازف هنا..والذي تغص به الحناجر..ولولا أن كل ماقرأته هنا واقعاً وليس قصة من وحي الخيال…لقلت رغم المأساة اني فرحة بإبداعك…
أنتِ رائعة …
اللهم انصر أهلنا في غزة…
تحية كبيرة لكِ….
يناير 9, 2009 عند 2:07 م
اللهم انصر الإسلام والمسلمين .. وأعلي كلمة لا إله إلا الله محمداً رسول الله
جزيتِ من خيري الدنيا والآخرة ..
يناير 10, 2009 عند 8:39 م
نوره ،
أنا لست عمتك ( تشابه بأسم هند , فقط ) أنا من عائلة الشمسان ، وأتمنى أن أراك وألتقي بك في أجتماع الشمسان الكبير السنوي في عيد الفطر في مدينة القصيم ( لأسعد بالتعرف عليك أكثر )
يناير 11, 2009 عند 11:55 ص
أهلنا ياأهل غزة .. أهل دين أهل عزه..
اثبتوا فالله اكبر .. جنده دوما أعزه ..
بين ليل او ضحاه قادر يخسف بهزة …
نورة ..
دائما رائعه ..:)
يناير 11, 2009 عند 3:19 م
كاني مع شخصية القصة اعيش احداثها
سلمت اناملك
يناير 12, 2009 عند 4:05 م
واو رائعة يانورة ..
عشت أحداث القصة بتفاصيلها !
رائعة كعادتك .. شكراً للك
بالتوفيق
يناير 15, 2009 عند 1:18 م
مبدعه بقلمك
عشت التفاصيل
وكأني داخل الحدث
مميزه…
لك الله ياغزه
يناير 20, 2009 عند 10:59 م
ماسة زيوس
لاحرمت منك يانقية ..
ممتنة جداً ..جداً ..
ـــــ
ود
وجودكِ عذبٌ ياود ..
لاتبتعدي ..
ــــــ
هند الشمسان
تشرفت بمعرفتك عزيزتي .. بإذن الله اتشرف بحضور ذلك الإجتماع ذات يوم ..
أسعدني وجودكِ كثيراً ..
يناير 20, 2009 عند 11:02 م
أم غلووووو
وجودكِ هو الرائع ..
الله لايحرمني منك ياخالتو ..
ــــــ
عبدالله
شاكرة لمرورك أخي الكريم ..
ــــــ
لمياء
شكراً بقدر روعتك وسعادتي بوجودكِ ..
ــــــ
برستيج
ممتنة لكِ عزيزتي .. ممتنة لوجودك ..
يناير 23, 2009 عند 2:21 م
عصف بي قلمك فعجزت عن التعليق ..
كلمات تصويرية رااائعة …
اللهم انصر غزة ورد كيد الكفار في نحورهم ..
دمت بخير ودام حرفك شامخ
يناير 25, 2009 عند 5:10 م
جميل جدا ورائع