أرشيف ‘بوح الغروب’ التصنيف

شخصٌ عادي ، مدينةٌ غير عادية !

يناير 6, 2009

bullets276

امتلأت رئته برائحة الدم حتى خيل إليه أنه يتنفسه بدلاً من الأكسجين ، حاول أن يسلك الشوارع الضيقة الصغيرة لعلها تكون أقل توجعاً وأقل غرقاً بالدماء ، صادفه أيمن هناك يدور على الجثث ، يخلع الأحذية منها ويرمي بها في كيسٍ مهترىء خلف ظهره ، يقبل رأس الشهيد ثم ينصرف لمن بجواره ..


- لاتتعب نفسك ياأحمق .. لن يشتري أحدٌ حذاء بينما لايجد مايأكله .
- ومن قال لك بأني سأبيعها .
- لماذا تجمعها إذن .. ( يضحك بسخرية وهو يكمل ) : ذكرى الشهداء ؟
يواصل أيمن التنقل بين الجثث بصعوبة والكيس قد أثقل ظهره لامتلاءه
- ألم تسمع بـ خفي منتظر !
- هل تقصد .. هل تنوي .. !!
- نعم ولم لا .. قذفت رؤسهم بالحجارة قبل ذلك فلم لاأجرب الحذاء هذه المرة .. الحذاء موضة هذا العام ياصديقي .. سأقذف كل هذه الأحذية بوجوههم نيابة عن أصحابها ..


ابتسم له وانصرف ، لايعرف لم انصرف سريعاً ربما شعور الهزيمة بداخله بدأ يتبدد أمام إصرار أيمن وإيمانه .. أكمل خطواته التي قادته لحيهم القديم ، خمس سنوات منذ آخر مرة زار هذا الحي ، خمس سنواتٍ تفصله عن أيام الطيش واللهو حين كان يلاحق أمل ويستفزها منذ خروجها من المنزل وحتى تصل لمدرستها ، وفي الظهيرة يفعل الشيء ذاته ، ياألله لازال يذكر ذلك اليوم الذي هوى فيه كتاب أمل على رأسه مع سيل من السباب والشتام الطويل الذي لاينتهي ، كان يستمتع بصراخها في وجهه ، بغضبها منه ، بتهكمها على كسله .. ليتكِ ترينني ياأمل ، خمس سنوات زرعت فيني روح رجلٍ جاوز الخمسين ..
عبر الممر الضيق بتوتر وخوف ، هناك خلف المنعطف بيتهم القديم ، وبيت أمل ، وذاكرته الملونة .. هل يذهب ..؟ ماذا لو وجد البيت ركام عند قدميه ؟ .. ماذا لو وجد أمل تبكي عائلتها .. ماذا لو لم تعرفه أمل ؟ ماذا لو وجد الألوان رمادية .. ماذا لو .. ولم يمهله دوي القصف ليفكر أكثر ، ركض بإتجاه المنعطف هارباً من الشظايا التي خلفه ، مرت ثوانٍ خيل إليه أنها ساعات وهو يحاول التقاط أنفاسه واستيعاب المنظر أمامه ، تماماً كما توقع ، البيت ركامٌ عند قدميه ، وبيت أمل أيضاً .. !


- أبو غسان ، أبو غسان ..
- محمد !! … أهلاً بك ياولدي .. أهلاً بك .. واحتضنه بشدة وهو يبكي ..
- كيف حالك ياعم ..
- لاتتخيل فرحتي برؤيتك يامحمد .. ظننت أني لن أراك مرة أخرى .. الموت هنا يحتضننا واحداً تلو الآخر ! .. تعبت من التوديع يامحمد .. تعبت حمل الجنائز وفوق كلٍ منها قطعة من قلبي .. تعبت الصبر ومللته وملني .. بالأمس .. حملت أمل على كتفي .. أودعتها الثرى وأودعت قلبي معها !
- …!
- محمد ..
- …!
- محمد ..
- أين أهلها ؟
- اتجهوا نحو المعبر ، إصابة أبيها تحتاج عناية طبية ، قد ينقل إلى مصر و ..


صوتٌ لاهث يقطع الحوار
- تعالوا ساعدونا .. في الشارع الآخر عائلة مصابة ولاتستطيع سيارة الإسعاف الدخول لهذا الحد ..

يركض معهم ليحمل الجرحى وقلبه يركض بشدة ، يحمل ويضع ، يصرخ بهذا ليساعده ويهمس بهذا أن تصبر قليلاً ..صوت سيارة الإسعاف وصراخ المرأة بجواره وأنات الطفل الذي بين يديه .. كل هذا الضجيج لم يكن يسمعه جيداً .. فقط كان يسمع .. ” بالأمس .. حملت أمل على كتفي وأودعتها الثرى .. ” كانت ترن في أذنه لدرجةٍ جعلته لايبكي لايستوعب ! .. الموت كان أسرع من كل قراراته .. أسرع من كل كلماته التي كان سيقولها ..
ابتعدت سيارة الإسعاف ، يمر بجواره مراسل تلفزيوني يتحدث بحماس أمام الكاميرا .. ابتعد وهو يتمتم في داخله ” هه ، هل أصبحت جزءاً من خبرٍ عاجلٍ الآن ! ” ..
عاد من حيث أتى لكن بطريق آخر ، والأمر سيان ، رائحة الموت ذاتها تزكم أنفه ، الدماء ذاتها ترسم لون الرصيف والجدار ، ظلال الراحلين ذاتها تقف دونهم !
سيجتاحون المكان بقدميهم غداً ، سيخترق الرصاص الخط الفاصل بين الحياة والموت في أجسادهم ، سيخيم الظلام ، سيقطع الماء والغذاء ..
وكأن غزة ستطفيء مصباحها وتغرق في الظلام لتجعله يستلقي ويبكي بصمتٍ على الراحلين .. لتحجب عنه بظلامها لون دمائهم على الطرقات ..
ستمارس مدينة الموت الألم من جديد .. ببكائه الصامت في عمق الظلام .. سيخبر العالم كم هم ” إنسانيون جداً ” !!

نورة
6\1\2009

دِماء

ديسمبر 29, 2008

ist2_3734111-blood-donation

ونخجل منكم لأننا لا نملك إلا البكاء !

لأن الحروف تخون الحروف فيخرج شيء خجول حزين يسمى دُعاء ..

ونخجل منكم لأن السلام لأن التفاوض ضاع هباء ..

لأن القطاع يموت ببطء .. يموت بقهرٍ ..

ونحن نفاوض نفاوض بكل غباء !

قصف ،

غبار ،

دماء  تخُضِبُ أرض الشقاء ..

بكاء وموت

وشَفةٌ تسأل رشفة ماء ..

وجسدٌ ينزف ينزف ، يسأل هل من دماء ؟!


هل تذكرون مصطلح ( وحدة الدم العربي ) الذي رافقنا كثيراً في التاريخ وقضية فلسطين وووو..

تستطيعون تجربته عملياً ، ولاتقلقوا فدماءكم ستعمل بشكلٍ جيد في الجسد الفلسطيني النازف ، هناك في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض حيث يفتحون الأبواب لإستقبال المتبرعين بالدم لصالح جرحى غزة ، من 7:30  صباحاً إلى 12:00 ليلاً  .

في جدة تنظم مجموعة 4shbab حملة للتبرع بالدم لجرحى غزة ، يوم الثلاثاء الثالثة والنصف عصراً بمستشفى الملك فيصل التخصصي .

لن يكلفك الأمر سوى إرهاق بسيط مُطعم بإحساس العطاء وكوب عصير تعوض به ذلك الكيس الأحمر .. وليس أروع من أن تجري دماءك في عروقٍ ترمي الحجارة وتقاوم !


سيناريو *

نوفمبر 10, 2008

d8b3d98ad986d8a7d8b1d98ad9882

الزمان : 7:30 صباحاً

المكان : الجامعة \ الكافيتيريا

طالبة تضيف السكر لقهوتها وترمي الأظرف الفارغة عند قدمها لأن سلة المهملات تبعد عنها قرابة المترين فقط !!

:

:

الزمان : 8:30 صباحاً

المكان : المبنى 3 \ قاعة 31015

محاضرة شبكة مملة لمادة الــCommunication Skills  وأصناف متعددة من الطالبات ، مجموعة تكتب مايقال ، مجموعة تتأمل الوجوه ، مجموعة تقرأ ( جريدة \ رواية \ مادة أخرى ) ، والمحاضرة تتحدث عن مهارات الإتصال ولغات التواصل وأدواته ، والأستاذ في وادٍ والطالبات في وادٍ آخر !

:

:

الزمان : 9:45 صباحاً

المكان : ساحة الجامعة

وجه مليء بكل الألوان الصاخبة في كل مكان ، لون فوق الجفنين ، لون على الوجنتين ، وآخر على الشفتين ، ورابع أسود كثيف اسفل العينين ، وجه صاخب لم يفرق بين الصباح والمساء ، بين مكان الدراسة والعمل ومكان الإحتفال والسهر ، وجه لم يقدر هدوء الصباح  ولم يعطه حقه من البساطه والعملية ، … هل حقاً أتت هذه الطالبة لتدرس أم …. ؟!

/

\

على الجانب الآخر ..نوعية أخرى .. شعر قصير قصير .. فوق الأذن أو بمستواها ، خصلٌ مسرحة بطريقة الـ سبايكي تبدو مرتفعة وبارزة عن بعد ، قميص كبير بتصميم رجالي ، ساعة كبيرة لاتمت ليد الأنثى بصلة ، سلاسل وأساور تحمل شعار جمجمة أو سيف أو قرصان،صوت ( مفتعل ) وكأنه يخرج من حنجرة رجل،مشية صبيانية ، زجاجة( هولستن ) لاتفارق يدها، نعم ..  روح فتاة في قـالب رجل !!

:

:

الزمان : 12:00 ظهراً

المكان : مبنى كلية الحاسب \ المصعد

ينفتح المصعد على الطابق الأول .. تخرج فتاة وتدخل مجموعة طالبات يثرثرن بصوتٍ عالي وبحنق على درجات الكويز ، هذه تشتم الدكتورة ، هذه تتوعد أنها لن تدرس للكويز القادم ، هذه تشرح السؤال الذي أخطأت فيه وتنعت نفسها بالغباء .. ينفتح المصعد على الطابق الثاني ،تدخل دكتورة خلفها طالبتين ،هدوء وصمت يعم المكان ، كلٌ ينظر للاشيء بإستثناء طالبة تعدل هيئتها أمام المرآة ، ينفتح المصعد على الطابق الأول مرة أخرى ،تخرج الدكتورة ، وبلحظة يستأنف السب والشتم حول الكويز ، تدخل أستاذة أنيقة عملية محبوبة من الغالبية ، تتفحصها الأعين بإعجاب ، ينفتح الباب على الطابق الأرضي ، تخرج الأستاذة ، تخرج الفتاتين ، تخرج مجموعة الكويز وقد أنقلب حديثهم من الكويز إلى أناقة الأستاذة ، كلٌ يذهب في سبيله .. تدخل مجموعة أخرى للمصعد ، وتبدأ رحلة جديدة .. بوجوه جديدة ..

:

:

الزمان : 1:40 ظهراً

المكان : الطريق الدائري \ مخرج 15

مسجدٌ ضخم ، طريق يغص بالسيارات وقت الذروة ، وجوه منغمسة في صخب الحياة اليومية  والعمل ، وبين هذا كله .. وعند زاوية صغيرة من ذلك المسجد ، سيارة تفتح أبوابها وتخرج جسداً لف بقماشٍ أبيض ، يحمل بهدوء ويدخل من باب صغير للمسجد ويختفي ! … وسط كل هذا الصخب والحركة والحياة .. مر الجسد المسجى بهدوء الموت ، مر ولم يلحظه أحد لأن الكل مشغول بالحياة …!!

:

:

الزمان : 2:15 ظهراً

المكان : مخرج 5

قاعة زفاف مشرعة الأبواب ، ورود كثيرة تحمل للداخل ، شوكولا تنقل برفق وعناية ، عمال يعملون كخلية نحل لإكمال تجهيزات زفاف يعلن بدأ حياة جديدة ، وشتان مابين المخرجين … شتان !

ــــــــــــــــــــــ

* ماكتبته هنا لايصنف ضمن السيناريو الفني ولا الخطي بمعناهما الحقيقي ، هي فقط مشاهد تمثلت أمامي والتقطتها بعينٍ تعشق قراءة السيناريو .. تجنبت الكثير من التفاصيل في جعبتي والتي لاتهمكم مقروءة بل مشاهدة .. تماماً كالتفاصيل التي تزخر بها ورقة النص في يد الممثل والتي يراها الجمهور وليس يقرأها .. =)

اعتذار لن يصل !

سبتمبر 26, 2008

ويكبر الحنين فيني ويزداد صلابة مع الأيام ,

يزداد كلما كنت في مناسبة كبيرة أو اجتماعٍ  عائليٍ تلهج فيه ألسنة الجدات بالدعاء

” الله يجمعنا وياكم على الخير والطاعة “

” الله يبارك بهالجمعة ويديمه “

وعند قدوم رمضان أيضاً .. ” الله يعيده علينا وعليكم بصحه وخير وسلام ” ,

نعم عاد رمضان يا ماما نورة ولكن علينا وليس عليكِ !

ثلاث سنوات مضت , ورمضان يعود علينا ولست بيننا ,

لازلت أذكر آخر رمضان في حياتك , حين كنتِ ترغبين في تجربة المسجد الذي أصلي فيه لأنك سمعتي أسمه يتردد كثيراً تلك السنة وسيرته على كل لسان ويقال أن “عنده زحمه وقرايته زينه ودعاءه يالله من فضلك ” ,

آسفة ياماما نورة , رغم أنك قلتيها لي بلسانك ” اغدين اروح لي يوم معكم اصلي عنده ” إلا أني لم أكن متحمسة أبداً لقدومك معي , لأني أعلم في داخلي أن جدي لن يحبذ ذلك وســيقنعنا بــ ” ماينفع زحمه وتعب عليتس ويبطي بالسجود والركوع ” , آسفة ياماما نورة لأني لم أحاول حتى أن اطلب من جدي السماح لك بمرافقتي , وكل يوم أقول سآخذها غداً ولكني لم أفعل , و استمريتِ  أنت بالذهاب لمسجدك المعتاد ,وعلمت من أبي صدفةً أنك أخبرتِ جدي بموضوع المسجد ولم يرفض بصريح العبارة ولكنه لم يرغب بذهابك أيضاً .., وانقضى رمضان وأنا لم أنفذ رغبتكِ وأنتِ لم تبقي رمضاناً آخر!

وجاء العيد الأول بدونك , كئيباً عابساً لا ضحكة فيه لا طعم ولا لون , حتى في المسجد افتقدتك , رغم اني لم اعتد ان أراك في المسجد كل عيد ولكني أصادفكِ أحياناً عن الباب بعد الصلاة  بينما أبحث عن حذائي , أراك تلبسين حذائك وتبتعدين عن الباب , اسلم عليك سريعاً وأودعك على أن أراك بعد قليل في اجتماع العائلة ,

اعذريني يا ماما نورة فقد صورتكِ بكاميرا الفيديو دون أذنك , في ذلك الصباح حين كنا في السيارة عائدين من صلاة العيد وقد مررنا بشارع بيتكم

-          شوفوا شوفوا أمي نورة قاعده تعايد السواقين تعطيهم فلوس ..

-          شكله توه جايه من المسجد ..

لم أستطع مقاومة تلك اللحظة , فتحت نافذة السيارة , قربت الزوم وضغطت على rec  حتى انتهى الشارع واختفيتِ عن عيني , اعذريني ان ازعجك ذلك .., ولكني اقسم أن تلك اللقطة التي لم تتجاوز الخمس ثواني من أحب اللقطات إلي , ومن أروع ما صورته في نظري , ورغم أني اعتدت حمل الكاميرا معي صباح كل عيد للمسجد لشغفي بتصوير الأطفال بـ ” كشختهم ” الا اني لم أصور شيئاً في ذلك العيد البئيس الذي خلى منكِ , رغم وجود الأطفال ككل عام إلا أني لم أمتك حماساً لرفع الكاميرا أمام وجوههم ومطاردتهم كالسابق !

كنت أستمع للخطبة وأنا أعلم أني لن أصادفك بعد قليل عند الباب تبحثين عن حذائك , ولن أراكِ عند باب المنزل ” تعايدين السواويق ” ولن أراك بعد قليل في اجتماع العائلة ..,

كنت أعلم أنه سيبدأ هذا الصباح عيدٌ مختلف !

حتى في طفولتي كنت فاشلةً في لعب دور تلك الحفيدة المثالية الرائعة, لاتزال ذاكرتي المتعبة تحتفظ بصورٍ تلك الأيام العذبة , حين كنت أرافقكِ لتحفيظ القرآن  كل عصر , وكنتِ تضميني ما إن أركب السيارة وتسأليني عن أحوال المدرسة والدراسة وأهلي وما إلى ذلك من تلك الأسئلة التي لم يلقِ لها عقلي بالاً ولا اهتماماً بإعطاء أجوبةٍ دقيقة حتى !

ثم تطلبين مني بشيءٍ من الحرج أن أسمع لكِ ما حفظتيه  لتتأكدي من إجادتك وأنتِ تتمتمين بأمنيتك في تعلم القراءة .., وكنت بكل ما أوتيت من برود أفتح المصحف وأستمع لقراءتك وعيناي على الشارع وكنتِ تخطئين أحياناً ولا أرد الخطأ لأني لم أكن أنظر للمصحف حينها بل الشارع ! , ولشدة بلادتي فلم يكن ضميري مؤنباً لفعلتي تلك !

كنتِ تحرجين في كل مرة تطلبين مني ذلك لأنك تعلمين أني لا أركز في قراءتك ولا أصبر عن رفع عيني عن ورقة المصحف للشارع ! , لا أعلم أي ثقةٍ تلك التي كنت أحملها تلك الأيام لدرجة جعلتني استهين بقراءتك واضحك حين تنطقين الكلمة بشكلٍ خاطئ فأصحح لكِ – إن انتبهت – بصوتٍ يملأه الغرور وتغلفه الثقة وكأني أوتيت مفاتح الكلم , وليس مفردات طالبة لم تتعد الصف الخامس الابتدائي ! ,

ورغم كل ذلك كنت تدعين لي دائماً ” الله يجزاتس خير يا بنيتي ” “الله يزيدتس علم “

آسفة جداً يا ماما نورة .., كنت حمقاء جداً حينها ..,

ليتني أستطيع ولو للحظات أن أمسك المصحف وأنتِ أمامي وأستمع لتلاوتك ,

أعدكِ أني لن أذهب بنظراتي بعيداً عن ورقة المصحف ,

أعدكِ أني لن أضحك حين تنطقين الكلمة بشكلٍ خاطئ ,

أعدك أني لن أمل وأنا أسمع تلاوتكِ , أعدك ..!


كانت أيام ( مجلس الأمهات ) بالنسبة لي عيداً , لأنك كنتِ تشاركيني فرحي , لازلت أذكر ذلك اليوم حين كنت في المرحلة المتوسطة وكرمت من ضمن الأوائل وفي المسيرة رأيتك في الصف الأول من الجمهور , فرحت كثيراً , وحين مررت من أمامك تفاجأت بوقوفك حيث قطعتي المسيرة ووقفتِ تقبلين رأسي رغم أنه من الأجدر أن أقبلك أنا , لازلت أذكر عينيك حينها , كنتِ سعيدةً جداً بتفوقي وكنتُ سعيدة جداً بوجودك , حتى في المرحلة الثانوية وتحديداً في الصف الأول الثانوي , حين حضرتِ لحفل المصلى وشاهدتي المعرض , لم أكن متواجدة طوال الحفل , فقط ظهرت وقت التكريم ورأيتك وكدت أطير من الفرح , ورغم أن القاعة كانت مليئة بالأمهات لكن إحساساً داخلي يخبرني أنني مختلفة بوجودك ! , ذهبت بعد التكريم للفصل لأكمل حصصي الدراسية وحين انتهى الحفل وفي الوقت الفاصل بين الحصتين الأخيرتين أتت طالبة لفصلنا

_ نورة في وحدة تحت تقول تعرفين نورة ناديها بنروح .. شكلها أمك

_ لا هذي جدتي

طالبة أخرى : جدتك جايه !! ياحبيلهاااا .. أبي أشوفها

خرجنا من الفصل وأخذنا نطل من الأعلى ورأيناك تقفين في الفناء تنتظريني ويدك مليئة بالأكياس من المعرض

_ ياحبيلها جدتك شكلها حبوبة مرة , ياحليلها جايه للحفل

_ إيه دايم تجي مو أول مرة

_ ماشاء الله ياحظك فيها ..

حتى صديقاتي يحسدوني عليك ياماما نورة , وكنت أفتخر بذلك كثيراً .. كثيراً ..

__________

حتى في الوداع كنت فاشلةً جداً

لم أستطع حتى أن أحادثك حديثاً أخيراً تردين فيه علي ,

كنت في دورةٍ للبرمجة اللغوية العصبية  لمدة أربعة أيام منعتني من الحضور مع أهلي لزيارتك في المنزل ,

كنت أسمع أنك تعبت قليلاً قبل يومين , وظننته زكاماً أو مرضاً عابراً !

ولم أكن معهم حينها , كنت في دورتي التعيسة تلك والتي مازلت امقتها إلى هذا اليوم  ومازلت أندم كثيراً لاشتراكي فيها

فمنذ ذلك اليوم .., لم اسمع صوتك قط !

سمعك أهلي وتحلقوا حولك وتعشوا معك , وفي اليوم التالي كنتِ قد دخلتي عالم غيبوبتك التي زارتك فجأة !

نعم .., ندمت كثيراً يومها .., وكان أملي بإفاقتك كبيراً ,

كنت احدث نفسي أن ستستيقظين وستردين على حديثي , ولكنها شهورٌ مرت , وأنا أحدثك ولا أجد جواباً , حتى مات الأمل بموت أنفاسك الأخيرة ..

ولم أستوعب أبداً حجم هذا الموت الذي فصلكِ عنا إلى عالمٍ آخر ،  في ذلك الصباح كنت أعيش لحظاتٍ غريبة  شبيهة بالأحلام !

وحين دخلت جامع الراجحي  أفقت  على الواقع .. أفقت على أصوات البكاء وعلى التكبيرات المتتالية  في صلاة لاركوع فيها ولا سجود !

أفقت على حقيقة أني لن أراك ثانية ،

أرأيتِ  ..

فاشلة أنا حتى في الوداع يا ماما نورة ,!



نورة

15 \ 8 \ 2008




عودي !

اغسطس 17, 2008

الكل هاهنا سكوت
يمشون بانكسار
أمام جُندٍ هددوا أن يضربوا بالنار
الكل هاهنا سكوت
الكل يخشى أن يموت ..
حتى سمائك لم تعد زرقاء يابغداد
حتى الهواء
حتى التراب
حتى النخيل
حتى المياه
الكل يكسوه السواد
اعتدت أن أستقبل النهار
بصوته المدوي  بانفجار
في أي لحظةٍ هنا
قد تسجن اليدين بالأغلال
بأمر إعتقال ..
لاتسألوا لما ؟!
جرمٌ كذا السؤال ..
بدون اعتراض
عليك الامتثال
اعتدت في الظلام
أن أنشر الأحلام
وكل يومٍ تنقص الأحلام
وكل يومٍ أبكي
وبعدها أنام
اعتدت في الصباح
أن أحمل الرغيف
وأقطع الرصيف
لأخطوحول بركةٍ من الدماء
أراقها الجنود ضمن لهوهم مساء !!
اعتدت كل ليلة سماع ذا الـفرات ..
يبكي .. يصيح قائلاً
” الطـفـل مـات .. الطـفـل مــات “
وذلك العجوز يقطع الرصيف كل صبحٍ بانتظام
يسير يجني رزقه
تلوكه الآلآم
وبعدها يعود في المساء
يغفو قليلاً ربما وبعدها ينام
وتبدأ الأحـلام
اعتدت يابغدادُ دمعة الفتاة
رأيتها برعبها تشير للطغاة
وتصرخ الفتاة
” هـم الجـناة … هـم الجـناة “
ويـرجـع الصـدى
ولا جـواب !!
أريد أن أراكِ يابغداد
يوماً بلا دماء
وأن أرى الربيع
وزرقة السماء
أريد أن أراكِ حلوتي بغداد
بلا جنودٍ يرسمون لوحة السواد
اتدركين مـاأقول ؟!
عودي أيا بغداد
عـودي أيا بغداد ..

نورة

7\3\1428 هـ

الرياض – الخُبر