
تتفاوت الأشياء من حولنا في أهميتها تماماً كما يتفاوت البشر في أهميتهم أيضاً ، وفي مجتمعنا أختلت موازين الأهمية لدرجة أصبح فيها الأكثر نفعاً هو ذاته الأكثر تهميشاً من المجتمع ! ..
حين أتاني أخي الصغير محمد – والذي لم يتجاوز عمره الخمس أعوام – ويكاد يطير من الفرح وهو يريني قميص ” الهلال ” الجديد الذي يرتديه ، أخبرته بأنه جميل لكنه لم يكتف بذلك بل أستدار ليريني أنه يحمل الرقم 20 وهذا هو أهم مافي الموضوع بالنسبة إليه ! ، أخبرته أن القميص جميل لأنه هو من يرتديه وليس لأنه يحمل الرقم 20 لكنه لم يقتنع بإجابتي فكل أقرانه يرتدون ذات الرقم ولايرضون عنه بديلاً ! ، أتعجب كيف ترسخت هذه الأهمية لشخصٍ ما لدى أطفال لم يصلوا سن المدرسة بعد ، والمؤلم أيضاً أنه في المقابل هناك من هو أجدر أن يحتل أسمه مكانة في عقولهم منذ الصغر ومع ذلك فقد يدخلون المدرسة ويخرجون منها وهم لم يتعرفوا عليه ! ..
لماذا تحيطنا ضجة اعلامية تجبرنا على معرفة أن اللاعب الفلاني سيسافر غداً لإجراء عملية جراحية وكأنها قضية مجتمع لها ثقلها وتأثيرها بينما لانجد هذه الضجة حين بُترت رجل طالب ( مخترع ) في جامعة البترول والمعادن بسبب خطأ طبي ! ، لماذا يُعطى شخصٌ ذا صوتٍ ( نشاز ) أهمية لايستحقها فقط لأنه تعاقد مع شركة ضخمة لإنتاج ألبومه الأول وتتلقفه القنوات والصحف والمجلات بينما نسمع أو نشاهد ( صدفة وعلى استحياء ) مقابلة لاتتعدى الدقائق مع شباب كونوا فريقاً مسرحياً بمجهوداتهم الشخصية ويسعون للمشاركة به في محافل دولية وآخرين أنتجوا فيلماً سينمائياً بمجهوداتٍ شخصية وإمكانية متواضعة أيضاً لكن الإعلام يعتبرها متواضعة جداً لدرجة أنه لايفكر في عرضها على الناس ولو كمقطع في برنامج ! ..
لماذا التصوير والرسم والفن بكل أنواعه لايأخذه الغالبية على محمل الجد بل يعتبرونه ( هواية لاأكثر ) فلا تمتليء المعارض الفنية بالزوار بالقدر الذي تمتلأ به مدرجات الملاعب أو مدرجات الحفلات الغنائية ؟
بصورة أبسط لماذا الفرد البسيط أياً كان ( طالباً \ موظفاً \ معلماً \ عاطلاً ) يمارس حياته بأسلوب روتيني مرسوم ومخطط له من قبل آخرين ، هل لأنه نشأ على أنه يجب عليك السير على المخطط له دون إعتراض وبصورة تجعله لايفكر ولو بنسبة بسيطة في أن يبدع ويخرج لمجتمعه بشيء ناجح .. أم لأنه يعلم أن صوته لن يصل وإن وصل فسيرجع الصدى بلا جواب !..
من الذي يصنع الأهمية في مجتمعنا ، هل هو الإعلام أم نحن أم شيء آخر ؟!
هل سألت نفسك يوماً .. من أنا بالنسبة لهذا العالم وماذا يمكنني أن أفعل ؟!



